تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


العنف الأسري في ميسان: كل الطرق تؤدي للانتحار


ماجد البلداوي

شعرت إلهام ياسر باليأس من الحياة بعد تكرار أساليب العنف التي يمارسها زوجها بسبب الشك الذي ما انفك يراوده على الدوام مما دفعها إلى الانتحار هربا من قسوة الحياة. هذا ما قالته والدة إلهام في حديثها  وتضيف أن "إلهام كانت لديها قبل أن تتزوج أمنيات بعد حصولها على شهادة الدراسة الإعدادية بأن تكمل الدراسة الجامعية، لتقبل على الحياة ولا سيما وهي في مقتبل العمر،


 حتى طرق بابنا من يطلب الزواج منها، وهو شاب عمره يقترب من عمرها، مواليد 1986، وبالرغم من ترددها في القبول قمت بإقناعها فوافقت لكي لا تغضبني وتنازلت عن أحلامها، لتقودها قدماها إلى نفق مظلم لا تعلم أية تعاسة تنتظرها من هذا الزوج الذي يعاني من أخطر مرض يصيب الحياة الزوجية، وهو الشك".

وتضيف أم إلهام أن زوج ابنتها يغلق الشبابيك والباب بالمفتاح، وعندها تشعر بأنها تكاد تختنق، فقد وضعها في دائرة الشك التي يحياها كما يصورها له عقله المريض ومن ذلك اليوم بدأت رحلة العذاب التي أحالت حياتها إلى جحيم، وتؤكد أن زوجها أخضعها لما يشبه التحقيق، من طرق الباب؟ لماذا ترتدين هذا الثوب، ولمن؟ ما هذه التسريحة المثيرة؟ ويبحث بجهازها النقال عن رقم غريب.

 

جذر المشكلة

وتتحدث والدة إلهام بحزن عن قصص روتها لها ابنتها الوحيدة قبل أن تنتحر بأيام بعد أن يئست وهي تنتظر تغيير سلوك زوجها، خاصة بعد ولادة طفلته الأولى، ما زاد تصرفه عنفاً كون المولود أنثى وليس ذكرا مثلما تمنى، وتكررت الحالة عند ولادة الطفلة الثانية وبدأ يلعن ويشتم بدلاً من أن يشكر الله على سلامتها وسلامة المولودة، وقاطعها وكأنها قطعة من الأثاث ولم تعد تحتمل الحياة مع هذا الزوج فطالبته بالانفصال وتنازلت عن كل حقوقها لكنه رفض.

وتضيف والدة إلهام أنه كان كمن يسعى ويتلذذ بالانتقام منها وعندها كانت نهاية خلاصها بعد أن يئست تماما من إقناعه بالطلاق ولم يغمض لها جفن وكانت تشعر بالاكتئاب وشعرت أن كل ما حولها قاتم ولا بد لها من الخلاص ونهاية العذاب.

انتظرت خروجه وكالعادة أغلق الشبابيك والباب خلفه وضعت طفلتها في غرفة النوم وأغلقتها

ثم اتجهت صوب الحمام وحملت بيديها قنينة النفط وسكبت النفط على رأسها وملابسهاواشعلت النار لتترك طفلتين يتيمين.

 

(عنف فطلاق)

يقول أستاذ العلوم التربوية والنفسية في كلية التربية بجامعة ميسان نجم عبد الله :"إن العنف ربما لا يترك في الجسد آثارا بشكل مباشر، لكنه يشعر بقساوته النفسية المحسوسة، وخاصة عندما يصدر من قبل زوج شكاك ومريض وعندما يصف المعنف بصفات مزرية مما يشعره بالامتهان والانتقاص وهذا ما يؤذي الضحية كثيرا وهو ما يعرف بالإيذاء اللفظي.

ويرجع عبد الله حالات العنف إلى ضعف المستوى الاقتصادي وقلة فرص العمل وكثرة البطالة وشذوذ الزوج عندما يكون ضعيف الثقة بنفسه ومن حوله ويضطره غالبا إلى ممارسة العنف الجسدي.

لكنه يرى أن نتائج العنف الأسري على الأبناء المتمثلة في الأمراض النفسية كالاكتئاب والقلق والانطواء وعدم الثقة في النفس وغيرها من المشاكل المصاحبة التي تؤدي في غالب الأحيان إلى محاولات الانتحار والهروب، بالإضافة إلى تدني القدرات الذهنية والمهارات النفسية، واضطراب المستوى التعليمي للطفل وعدم قدرته على التواصل مع الآخرين.

ويقول مدير دائرة حماية الأسرة العميد مزهر الهاشمي:" الأسرة هي اللبنة الأساسية في بناء المجتمعات وعليها يعتمد ديمومة هذه المجتمعات ومن الأهم والضروري الحفاظ على كيانها وحماية أمنها الاجتماعي الذي يشكل احد ركائز الشامل وذلك مكن خلال مواجهة أية آفة اجتماعية قد تواجهها وانطلاقا من دور وزارة الداخلية في تكريس الأمن بمفهومه/الشرطة في خدمة الشعب/ وقد بادرت وزارة الداخلية وأصدرت أمرا إداريا باستحداث مديرية حماية الأسرة في بغداد والمحافظات.

وأضاف:" إن المديرية تقوم بمحاولات حل المشاكل الأسرية بالطرق الإصلاحية وتعتبره من صميم عمل المديرية كونها لاتخلو من الطابع الإنساني المتمثل بالحلول الإصلاحية الودية والمحافظة على أسرار العوائل المشتكية فضلا عن وجود مكتب للصلح الودي داخل المديرية يقوم بمتابعة الحالات والعوائل التي نقوم بإصلاحها.

وبين الهاشمي:" ان أسباب نشوء العنف الأسري بصورة عامة كثيرة وواسعة جدا لكننا باختصار مستطيع ان نتكلم عن مانلاحظه بمجتمعنا العراقي بشكل خاص ومن أكثرها هو تردي الوضع الاقتصادي داخل الأسرة وانعدام ثقافة الحوار وضعف الواعز الديني أو التربوي داخل الأسرة وعدم تكافؤ بين الرجل والمرأة".

مشيرا إلى ان المديرية تتعاون بشكل مستمر مع منظمات المجتمع المدني التي تعمل بشكل قانوني كمنظمة عمار الخيرية التي تعد من المنظمات الدولية الناشطة في هذا المجال حيث كان لها الدور الأساسي في إقامة عدة ورشات عمل تدريبية في مديرية التدريب والألعاب التابعة لمديرية شرطة ميسان وشملت هذه الدورات عددا كبيرا من الضباط والمنتسبين لتثقيفهم حول العنف الأسري بالإضافة إلى تثقيف كادر منتسبي مديرية حماية الأسرة حول كيفية تحمل هذه المسؤولية واستيعابها وكيفية التعامل مع المواطنين وضحايا العنف الأسري بكل أنواعه فضلا عن انعقاد الندوات التثقيفية لرجال الدين وشيوخ العشائر وفي بعض المدارس الابتدائية والثانوية داخل المحافظة وكذلك تعامل الدائرة مع منظمة الخير الإنسانية بهدف العمل التشاوري وزيادة الوعي الثقافي في مجال الأسرة كونها نواة المجتمع.

بينما يرى مدير مكتب حقوق الإنسان في المحافظة احمد ستوري:"ان العنف ضد المرأة يعد انتهاكا خطيرا وجسيما بالدستور العراقي النافذ والاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي صادق وانضم إليها العراق ، والعنف الأسري الموجه إليها يحد من كرامتها وآدميتها وهناك عدد من القوانين والتشريعات التي تحد من هذا العنف وتعاقب عليه.

وأضاف:" ان هناك العديد من النشاطات والفعاليات للحد من ظواهر العنف في المجتمع وخاصة العنف ضد المرأة من خلال تقديم المقترحات والتوصيات وقد نظم مكتبنا العديد والورش والجلسات الحوارية حول الحد من ظاهرة العنف وضرورة توعية المواطنين وإشاعة ثقافة حقوق الإنسان وخاصة حقوق المرأة والطفل بين مختلف شرائح وفئات المجتمع العراقي.

وأشار إلى التعاون من منظمات المجتمع المدني الخاصة برعاية شؤون المرأة وخاصة مؤسسة المرأة ونساء من اجل السلام ومركز تقديم المساعدة والحماية القانونية التابع إلى منظمة الخير الإنسانية والتعاون مع المحاكم الشرعية التي تنظر في قضايا العنف ضد المرأة.

وتذكر الباحثة الاجتماعية ندى كريم :" أن الأرقام المسجلة خلال العام الماضي والربع الأول من العام الجاري تثير أكثر من سؤال، فقد بلغ عدد حالات الطلاق بسبب العنف الأسري ثمانية آلاف و646 حالة، فضلا عن الحالات غير المسجلة في القرى والأقضية والنواحي التي حصلت خارج المحاكم.

وتضيف :" ان ظاهرة العنف الأسري في محافظة ميسان تشكل قلقا كبيرا للمتابعين، فقد بلغ عدد حالات الطلاق بسبب هذا العنف العام الماضي والربع الأول من العام الماضي 8646 حالة، فضلا عن الحالات غير المسجلة بالقرى والأقضية والنواحي.

وتشير الى ان  شيوع حالات أخرى تتمثل في تزويج النساء القاصرات مبكرا وسط ما تعانيه الأسر الميسانية التي تعيش في فقر مدقع سرعان ما تنتهي بالطلاق.. لكن كريم تعتقد ان

واقعنا الأسري القائم في مجتمعاتنا وأعرافنا التقليدية تتحكم فيه بعض الأساليب التي أصبحت واقعاً حياتياً معيشياً يحكم أسلوب التعامل بين الرجل والمرأة، أو بين الأبوين والأبناء، ويطبع العلاقة بينهما بطابعه.. فنلاحظ مثلاً تحكّم أسلوب العنف الذي تطبّع به المجتمع العائلي فغداً يمثل عرفاً حتى غدا طبيعياً.

إلااننا  نحاول إعطاءه تبريراً منطقياً حين نمارسه بدعوى كونه نهجاً تربوياً يعمل على تطبيع المرأة وأسلوبها بما يتناسب مع تطلعاتنا للبيت الزوجي، أو تطبيع الأبناء بطابع حياتي معين لتحقيق حالة الاستقرار داخل الإطار الأسرة من خلال الالتزام بمنهج تعاملي مطلوب، والتناهي عن ممارسة أساليب حياتية اجتماعية أو فردية مخصوصة.

فنلجأ ـ مثلاً ـ من أجل فرض واقع انضباط المرأة ـ تجاه زوجها ـ لتنضبط عملياً بشكل حاسم في تحقيق رغباته ومختلف حاجاته ومطالبه، إلى التعامل معها بأسلوب العنف المتمثل بالسب والشتم والإعراض والطرد والضرب وما إلى ذلك من وسائل الضغط التي يملكها الرجل. كما نلجأ لمثل هذا الأسلوب في التعامل مع الأبناء في مثل هذه الحالات؛ بل أصبحنا نلحظ تحكّم هذا الأسلوب في واقع هذا العلاقة لدى بعض من يدّعي الالتزام بالإسلام كمنهج وخط، وهذا يعطي الموضوع بعداً سلبياً آخر.

وبينت مديرية مؤسسة المرأة العراقية سهام العقيلي وعضو مجلس محافظة ميسان:" ان الذي يجعل المرأة تخضع للعنف من قبل زوجها وتقبل البقاء معه في منزل الزوجية ومنها العادات والتقاليد العشائرية وكذلك الوضع الاقتصادي لأهل الزوجة والذي ربما يجعلها عبئا عليهم وكذلك وجود الأطفال وعدم القدرة على فراقهم.

وأضافت:" ان المؤسسة حاول ان تجمع بين الرجل والمرأة المعنفة بأسلوب التعايش السلمي بين الزوجين ولابد لتحقيق هذا التعايش بالمعروف من التزام منهج العمل باحترام إنسانية كل واحد من هؤلاء واعتماد أسلوب التراحم ورعاية المشاعر والأحاسيس، وبناء روح المحبة والتعاطف، وحمل ما تفرضه المسؤولية الخلقية والشرعية من التزامات مادية ومعنوية وروحية؛ اضافة إلى الشعور بالمسؤولية التربوية تجاههم بتصحيح مسيرتهم في الحياة بمختلف جوانبها من خلال أسلوب الحكمة والموعظة الحسنة. فمهمة القوامة أو الولاية ترتب على القيّم والولي مسؤولية التنظيم والتوجيه للحياة الأسرية للحفاظ على سلامة الأسرة، مما يلزمه في المقابل انضباط هؤلاء مع توجهاته، حين لا تتنافى مع واقع العدالة وسلامة الفكرة والقرار وحين لا يتم التجاوب مع الولي والقيّم، فله فرض حالة الانتظام بالأسلوب المنتج الفاعل من خلال العلاقة الزوجية التي تربط الفرد بمن تعاقد معه بعقد الزوجية ولابد من النظر إلى الواقع من وجهة نظر شرعية من جهة، وإنسانيةٍ من جهة أخرى؛ ففي الجانب الإنساني لابد من النظر للموضوع من نقطة أنه يتعاقد مع إنسانٍ مثله، يشترك معه في كونه جسداً وروحاً وعاطفةً ومشاعر وحاجات وكسجدٍ يحتاج لكل ما يتوقف عليه تكوينه ووجوده ويتأثر بما يتأثر به من إيجابيات وسلبيات. كما أنه كروح ومشاعر بحاجة لكل غذاء روحي وعاطفي يساعد في النمو والتركيز والامتداد.



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2