تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


العنف ضد المرأة حكاية من حرب الثماني سنوات


كتابة وداد إبراهيم

(الجزء الثاني) 

«لمست القوة والجدية والإصرار في عيون أمي، وهي تلعن ما جلبت لها الحرب من جنون وهوس، ومن اكاذيب وصور، وما وصل اليه ابي من غيرة وشك، لمست فيها امرأة اخرى خرجت توا من دواخلها،  تشد من إزرها ثقتها بانها ستخوض غمار حياة تكون هي فيه الام والاب،


 لمست كل هذا وهي تقول لي: هل وجدتم فيّ من خطيئة؟ هل لأني استنجدت بابن الجار الذي يصغرني عشر سنوات يعني اني صرت فاجرة!! سيئة!! 

واستطردت: بعد ان وجدت ان لا احد يجيب عليها ويرد عليها تساؤلاتها ،قد يكون هذا كله درسا لي لان ما يراه الآخرون ليس مثلما نراه نحن. وقد يكون مشهدي وانا احاول الكلام مع جاري غير مرض لكل من يشاهده، لكن في حقيقة الأمر، ان الموضوع كله لا يستحق ان يحدث لي كل هذا!!! واذا كنت أخطأت فليس صعبا ان اعتذر له واكفر عن خطيئتي. وهل من الصحيح ان تضيع سنوات زواجي العشر كلها بيوم واحد؟ ولسبب واحد؟ لاشك أن الحروب فعلت ما فعلت بالنساء من زوجات الجنود وكل من يشارك فيها.

عاد جمال الى الجبهة وقد انهى كل معاناته، فما عاد لحديث الجنود من اثر في نفسه وكأنه تخلص من حمل كبير كان يجثو على صدره، بان طلق المرأة التي يدور الحديث حولها كما يعتقد، وبدلا من أن يكون الحديث لجبارة ومغامرة جديدة في صراعاتها، الا انها لا تختلف عن المغامرات السابقة في جوهرها وألمها وأوجاعها، اصبح لديه حديث جديد قد يثير إعجاب الجنود ويشد من عزم جبارة، ويؤكد مغامراته عن زوجات بلا رجال زوجات الانتظار الساخن.

 حين وصل الى مكانه لم تكن  في جعبته اي من الأمتعة، فلم يجلب معه وجبة من الاكل الذي كانت تعده  له زوجته مديحة، ولم يجلب معه بعضا من (الكليجة التي كانت تصنعها له بالطحين الاسمر) وان كانت لاتشبه الشطائر الحقيقية ،الا انه يجدها لذيذة ويتقاسمها مع أصدقائه الجنود. رمى أمتعته وجلس وحتى لم يسلم على أصدقائه. 

ظل ساكتا ولم يحاول ان يقاطع اي من الجنود وهم ينغمسون في احاديثهم عن الحرب والموت والنساء والقصص التي يسكبها البعض.

اقترب الليل كم هو مخيف الليل، فاذا نمت فقد افاجئ بعقرب تقترب مني او ثعبان صغير، هكذا قال له الجندي مطلك واستطرد: واذا نسيت العقارب والثعابين ونمت فان الليل قد يكون اوله سكون واوسطه هجوم مفاجئ وآخره جثث تتكدس في ارض الحرام، لمادا أنت ساكت لم تشارك في الحديث؟ حتى انك لم توجه اي سؤال كما اعتدنا منك ؟هل حدث لك شيئا؟ بهذه الكلمات سأله جباره. 

فاجاب بارتباك: لا لا لم يحدث معي شيئا ؟ ولكني اشعر بالتعب، تجمع حوله اصدقاؤه من الجنود وحاولوا معرفة ما به. وقال له صديقه ساجت: نحن نعرف بعضنا البعض اكثر مما يعرفنا اخواننا وآباءنا وأمهاتنا، بل وحتى زوجاتنا، فضحك الكل منه وقالوا له :انت لم تتزوج بعد، وأجاب واقصد حتى اننا نعرف بعضنا البعض اكثر من اي شخص قريب، لاننا نمضي اعمارنا هنا وليس في بيوتنا، فماذا تعني ثلاثة ايام في البيت تنقضي بوقت وزمن غريب وسريع، ولكن المعنى الحقيقي في ثلاثين يوما في الجبهات والحروب والجوع والعطش والخوف والقلق من اقتراب الموت، او الاسر، او الضياع او التقطيع!! ايهما اقرب؟ ولهذا فأننا الاكثر قربا لان جروحنا وموتنا واحد، وضياعاتنا واحدة .

ومن الغريب اننا احيانا حتى في ضياعاتنا نلتقي، كأسرى او مفقودين، اليس هذا هو كما يسمونه المضحك المبكي، ولهذا أقول اننا نقترب من بعضنا اكثر مما نقترب من  آبائنا وأشقائنا وحتى ابنائنا، طبعا طبعا، هكذا إجابة بعض الجنود، فيما ظل بعضهم ساكتا يتأمل هذا الحديث ومدى صدقه، واستطرد ساجت: انا مثلا عدت في الاجازة الاخيرة ووجدت امرأة في البيت، وعرفت بان اخي قد تزوج، فلم احضر في زواجه وهذا ليس بالغريب على من يعيش الحروب سنوات يمضي عمره والحرب باقية كما هي.

هذا كله جر جمال للحدث عما حدث له مع عائلته ومع زوجته، وقد بدأ حديثه من اول مرة حين قالت زوجته امامه، بانها ستسأل جارها جواد ان يستبدل لها البطاقة الغذائية. وكيف انه ثارت ثائرته. فتجمع الجنود حوله في صمت، وكأنهم لأول مرة يستمعون الى قصة حقيقية اكثر من قصص جبارة وغيره، شعروا بصدق كلامه، وهو يتحدث اليهم ويشعل السكارة تلو الأخرى، اقتربوا منه وقد ناوله احدهم علبة صفيح فيها ماء فارتشف ويده ترتعش وتساقطت قطرات من الماء من حنكه إلى يده فمسح فمه ورمى بالصفيحة الصغيرة على الأرض.

وبدلا من يكون الحديث لأي من العائدين توا من بيوتهم الى الجبهات ، ادار جمال كفة  الحديث لأصدقائه، وكيف انه كان لديه شك في زوجته حين اصرت على ان تطلب المساعدة من جواد جيرانه والملاصق لبيته، واستطرد حديثه بان شكوكه كانت محلها حين امسك بزوجته وهي تمسك بيد عشيقها الذي يصغرها بسنوات. 

وان السماء قد أعانت جمال على أن يمسك المجرم بجريمته حين تزامن المشهد مع عودته من الجبهة، وكانه فيلم سينمائي بالتوقيت والموعد. واكمل حديثه: لو ان احد اخبرني بان زوجتي تتحدث مع الجيران ومن على السطح، واردت ان اوقع بها، قد لا استطيع ان اشهد هذه الجريمة، لكن الاقدار كانت معي حين اجتمعنا نحن الثلاث في وقت واحد ومكان واحد .

ساد الصمت كل الموجودين فيما انتاب الشك احدهم فقال له :الم تقل لك بانها طلبت مساعدة والدة الشاب من قبل، في ان يستبدلوا البطاقة الغذائية ؟ وحدث ذلك امامك من قبل وقد تحدثت به زوجتك حين ارادت ان تعطي لجارتها البطاقة، الا يعني هذا بانها  لاتقترب من الخيانة، وإنما شعرت بانك قد تركت فراغا كبيرا لا تعرف كيف تتصرف حياله .

واستطرد صديقه «لا لا انت تسرعت الا تعرف كيف تسير الحياة بعوائلنا ونحن بعيدون.... .البيوت خالية من الرجال والشباب وحتى من تجاوز الخمسين سيقوا الى الحرب، فليس غريبا ان يعين الجار جاره وليس غريبا أن تطلب امرأة العون من شاب هو في مقام ابنها، وكيف تصرفت هكذا؟ هل سألت الشاب عن حقيقة المشهد؟ الم تتقص الحقيقة من الاخرين ؟ الم تتقص الحقيقة من ابنائك وبنتك ومن أصدقاء لك في الزقاق؟ بهذه السرعة مسحت حياتك العائلية والغيت عمرا بكامله قضيته مع زوجتك وابنائك، راجع نفسك قد تكون وقعت في فخ الخطأ والخطيئة واقترفت جرما ابشع من جرم الخيانة؟

انتقلت الحرب من الجبهات الى حرب بين ابي وامي، فحين يعود من الاجازة فتذهب هي الى بيت اهلها، تنتظر ان يعود الى الجبهة وتنتظر ان يصدر حكم المحكمة، وانا وأشقائي ننتظر مالانعرفه اين سنكون ومع من سنعيش؟ وحديث لا  يمل التفاصيل يبدأ به ابي خلال ايام الاجازة عن الخيانات وعن جريمة امي ومشهد الخيانة الذي كان امامه، ولا يستطيع ان ينساه، احيانا كان يذهب الى شقيقاتها ويتحدث لهن عن انه امسك بها بنفسه وكان حقا عليه ان يطلقها لان الخيانة لا تغتفر ابدا. لم يكتف بهذا بل كان بين الحين والاخر يعيد الحديث مع أعمامي وعماتي حين يأتون لزيارتنا.ويستمر الحديث حتى نسلم اجسادنا للنوم، فلا احلام لنا الا حديث أبي وهوسه وكيف انه رجل جيد يذهب الى الموت والى حيث لا عودة، ويترك اهله وابناءه امانة عندها الا انها لم تحافظ على هذه الأمانة.

ذهب أبي إلى الجبهة ولمحت في عيونه الكثير من الحزن والخوف، حزن لم أشاهده من قبل، كان حين يغادر تسبق خطواته نظرات الشوق الينا وخوف من عدم العودة من الحرب، ولكن هذه المرة كانت نظرته مختلفة، فيها شيء اكبر من الخوف، من الحرب والاسر والضياع ،ابتسمت في وجهه فبادلني ابتسامة كانت قد خرجت من شفاهه فقط.

وما ان ذهب حتى جن الليل واذا بامي تأتي مع شقيقها، رمت بنفسها علي فاحتضنتها لكن بقي أشقائي دون حراك فشعرت ببرودة مشاعرهم، او قد يكونوا قد صدقوا اوهام ابي عن ان امي لها علاقة مع ابن الجيران فقالت لهم:  اهكذا بسرعة نسيتم امكم وصدقتم هلوسة ابيكم المجنون صدقتم حديث الجنود .الستم تعيشون معي الا  ترون كيف اقاسي واقاسمكم الخبز حتى يمضي الشهر !!!هكذا تأثرتم بحديث ابيكم عني وانتم بالامس كنتم تلومنه لانه رجل مريض بالشك. ولانه قد دس الشك في نفسكم.

  لن اسمح له بالعودة للعيش معكم، انا سأتصرف، وما ان انهت هذه الكلمات حتى رمى شقيقي بنفسه عليها فبكت وهو يقبلها، فيما جاء شقيقي الأصغر وظل يقبل يدها ويقول لها سامحيني صدقت كلام ابي الذي كان يعيده علينا الاف المرات، لا اعرف كيف سنعيش بدونك؟ وهل سيبقى الحال على ما هو عليه تتركينا عندما يكون هو هنا؟ وتعودين الينا حين يعود !!،ماذا لو جا ء باجازة طويلة كما وعدنا هل ستتركينا؟ فيما قال شقيقي الاخر: ماذا لو انتهت الحرب غدا او بعد غد وعاد بشكل نهائي  ؟ماذا سنفعل ونحن لانريد ان نعيش بعيدا عنك !!!

وهل تصدقون ان الحرب لها نهاية ،فاذا كانت قد أكلت اعمارنا وأعمار شبابنا فان من لم يمت فيها ها هو يصل الى الجنون، والخراب الحقيقي لحياته. واستطردت امي قائلة: ساترك هذا البيت بعد ايام وسأعطي المفاتيح لصاحب البيت، والان انا ابحث عن بيت آخر سنعيش فيه معا لأنكم ستعيشون معي سأعمل  وأسدد أجور البيت واحاول ان ادبر امور المعيشة مع اهلي، افضل من ان  اعيش يبنكم وبين اهلي.

بعد اكثر من ثلاثة ايام عثرت امي على بيت اخر، وفي منطقة أخرى واخبرت الجيران بانها ستعيش مع اهلها ،دون ان تقول لهم بانها انتقلت الى بيت اخر 

هكذا انتهت علاقتنا بهذا البيت وتركت على عتبته ذكريات طفولتي فيما تركت امي عذاباتها وانتظارها المر لابي، تركت عمر عشر سنوات من الالم والفقر الجوع والخوف من الغد من ان يأتي ابي وهو ملفوفا بالعلم العراقي كانت تخاف ان يصاب بعوق في الحرب وكأن الحرب كانت في بيتنا اكثر مما هي على الجبهات رمت أمي بملابس أبي العسكرية والأحزمة وغيرها في النفايات دون ان تشعر بالندم.



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2