تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


مقام «الغيبة» شاهدة الحلة التاريخية ومطلب حاجات النساء


بابل/ ساجدة ناهي 

تصوير/ حيدر الحيدري 

بدا لي مقام (الغيبة) الذي أعيد ترميمه حديثاً كالقصر الشامخ بين صفوف المحال التجارية المتهالكة في ذلك الطريق الضيق الذي لا يتعدى عرضه الثلاثة امتار في اطراف سوق الحلة الكبير، حيث يتربع مقام الغيبة وسط مجموعة من الاسواق المتفرعة من السوق الكبير منها سوق الصفارين وسوق الهرج وغيرها من الاسواق والتي لا تبعد عن شط الحلة الا ما يقارب الأربعمئة متر.


وكان اليوم هو الثلاثاء وهو موعد تواجد النساء في مقام الإمام صاحب الزمان او ما يسمى هنا بمقام (الغيبة) حيث تجتمع النساء من كل حدب وصوب للحضور كل يوم ثلاثاء من كل اسبوع لاداء المناسك الخاصة بالزيارة والصلاة.

وكان علي ان ارتدي عباءتي السوداء قبل ان اصل الى المكان , فما كان يميزني عن جمهور النساء سوى مسجلي الصغير الذي احمله في يدي والكاميرا في كتف زوجي.

 

 ممنوع دخول الرجال!

استقبلتنا السيدة ارزاق حميد مسؤولة المزار التي تحضر كل يوم ثلاثاء وتطوعت مع شقيقاتها لادارة هذا المكان المقدس وهي احدى افراد عائلة توارثت سدنة المقام أبا عن جد والتي قالت «منذ سنوات طويلة كان والدي يصحبنا معه ونحن اطفال صغار الى هذا المكان حيث نحظى برؤية النساء اللواتي اصبح حضورهن الى هنا تقليدا أسبوعيا قد لا تتأخر عنه احداهن لأي سبب من الاسباب من اجل زيارة مقام الامام صاحب الزمان والدعاء الى الله بتحقيق امانيهن ورغباتهن».

سألتها : لماذا يوم الثلاثاء بالذات فأجابت «يوم الثلاثاء هو اليوم المخصص لزيارة مسجد السهلة المعظم في الكوفة, ولأنه مكان بعيد نوعا ما عن محافظة بابل وقد لا تتمكن الكثيرات من الذهاب الى هناك لذا اصبحت زيارة مقام الامام صاحب الزمان عجل الله فرجه الشريف المكان البديل لزيارة مسجد السهلة ولكن هذا لا يعني عدم حضور النساء في باقي الايام وخاصة في ليلة الجمعة ويوم الجمعة باعتباره اليوم المخصص لزيارة الامام صاحب المقام». 

وعمّا اذا كانت ثمة طقوس او مراسيم معينة تمارسها النساء هنا قالت «بصورة عامة تحضر النساء الى هنا منذ الصباح الباكر وعلى وجه الخصوص الموظفات منهن اي ربما قبل التحاقهن بالدوام الرسمي وذلك لأداء الاعمال الخاصة بالزيارة الموجودة في كتب ضياء الصالحين او مفاتيح الجنان اضافة الى الادعية والصلوات الاخرى وقد تمارس هذه الاعمال بصورة جماعية بينما تفضل نسوة اخريات القيام بهذه الاعمال بمفردها وقد تفضل بعض النساء البقاء هنا حتى الغروب».

وأضافت «هناك ايضا من تأتي على عجل لتقرأ الزيارة وتصلي الظهر وسرعان ما تذهب ومع ذلك قد لا نجد في بعض الاحيان مكانا للصلاة لذا لا مكان للرجال هنا في يوم الثلاثاء ما دامت النساء متواجدات حيث لا يسمح للرجال الدخول الى المقام نهائيا الا بعد الغروب».

 

تقاليد لقضاء الحاجات

وأوضحت أنه «من التقاليد المتبعة هنا ان المرأة (صاحبة الحاجة) التي لديها امنية عزيزة تتمنى من الله ان تتحقق تقوم بزيارة مقام الامام الحجة بن الحسن (ع) ثلاثة اسابيع اي كل يوم ثلاثاء وبعضها سبعة اسابيع واخرى اربعين ثلاثاء وهناك من تحضر كل اسبوع وبدون انقطاع لذا فأن وجوه النساء هنا مألوفة جدا لدي لأنها تتردد دائما الى هذا المكان، لذا فانا استطيع ان اميز المرأة الغريبة التي تدخل المقام لأول مرة واقوم بتفتيشها في الحال».

قبل ان انهي كلامي مع السيدة مسؤولة المقام سمعت من خلفي من تسأل فيما اذا كانت هناك من امرأة حاجة لبيت الله الحرام وما ان التفت اليها متسائلة حتى لمحت في يدها خيط قطني عليه بعض العقد فقالت:

هذه من التقاليد التي دأبت عليها النساء هنا وهي ان من لها حاجة عند الله تقوم بالبحث عن اربعين امرأة (حجية) لتقوم كل واحدة منهن بعمل عقدة في الخيط وبعد اكتمال العدد تقوم صاحبة الخيط بفك عقدة من هذه العقد كل يوم اربعاء بعد وضع الخيط في اناء فيه ماء وشربة وهذه العملية تستمر على طول اربعين اربعاء واختتمت هذه المرأة حديثها معي بقولها «انا لدي ابنة مريضة في البيت واتمنى ان تتعافى ببركة صاحب المقام».

وعرفت ايضا من احاديث بعض النساء ان من التقاليد المتبعة في هذا المكان ايضا ان تقوم السيدة التي لا ترزق بأطفال بأخذ قطعة من تربة الامام الحسين عليه السلام وكتابة (بسم الله الرحمن الرحيم) على بطنها مئة مرة بعد ترطيبها قليلا بالماء اضافة الى كتابة نفس الكلمات ولمائة مرة ايضا على ظهر زوجها بعد انتهاء موعد دورتها الشهرية وهذه الطريقة وحسب الكثيرات مجربة كثيرا وناجحة باذن الله.

وما دمت في ذلك المكان لم تفرغ يدي من الحلقوم والجكليت وحتى البرتقال والماء وهي جزء من النذورات التي توزعها المرأة التي يستجيب الله دعاءها بقضاء حاجتها.

 

معجزات «أبو صالح»

سيدة اخرى هي العلوية ام محمد التي تجاوزت العقد الخامس من العمر وجدتها تجلس بالقرب من شباك المقام التي أكدت انها تحضر الى هنا كل يوم ثلاثاء بدون اي انقطاع منذ أربعين عاما ولم تأبه يوما لبرد شتاء او مطر او حتى لحر الصيف القائظ رغم انها تحضر من منطقة الاسكان وهي مكان بعيد نوعا ما عن موقع المقام وهي التي قدمت للوطن أربعة من ابنائها الشبان ومع ذلك تقول : (لم اذهب لأطالب بأي تعويض عن ابنائي الشهداء ولم استلم فلسا واحدا من الحكومة فقلبي لم يطاوعني على ذلك) رغم انها تعيل مجموعة من الأيتام.

سألتها : هل تأتين كل ثلاثاء الى هذا المكان وماذا تفعلين؟، فأجابت «منذ اربعين عاما وانا احضر الى هنا كل ثلاثاء لازور واصلي وفي اليوم الذي لا احضر فيه ارى في المنام هذا الشخص واشارت الى سادن المقام معاتبا وهو يقول لي لماذا لم تأتي هذا الاسبوع»؟

بادرتها بسؤال اخر: هل سبق وان كنت شاهد عيان على احدى المعجزات في هذا المكان؟ 

فقالت: معجزات (ابو صالح) كثيرة وروت لي ام محمد قصة الكرسي القديم ايضا، «اما بالنسبة لي فقد جئت الى هنا في احد الايام والحديث للعلوية وكانت تشغلني قضية مهمة وعلى حد تعبيرها (اطلب مراد) وما ان دخلت المقام حتى وجدت رجلا معمما يرتدي ملابس بيضاء يجلس هنا فسلمت عليه ورد علي السلام فقلت له اريد مراد فأحنى رأسه، علامة على استجابة الطلب، وما ان فعل ذلك حتى اختفى.

 فيما تحدثت امرأة اخرى كانت تجلس على سجادتها بانتظار صلاة الظهر انها لا تحضر الى هنا الا كل ثلاثة اشهر وربما اقل رغم ان منزلها قريب نوعا ما من مقام الغيبة وهي تعلل ذلك بأن مشاغل الحياة كثيرة.

وذكرت انها كانت شاهدة على معجزة حدثت هنا لجارتها التي لها ابنة مريضة عجز الاطباء عن شفائها فجاءت الجارة الى هنا بوقت مبكر جدا اي حتى قبل ان يفتح السوق أبوابه فلم تملك الا ان وقفت على الباب وهي تبكي بحرقة ولم تلاحظ سوى رشقة من الماء سكبت على وجهها فخافت وتركت المكان مسرعة وهي عازمة على التوجه الى مقام احد الأولياء الصالحين في الحافظة وما كادت تبتعد كثيرا حتى سمعت من يقول لها ان رشقة الماء هي دليل على قضاء حاجتك فعودي الى منزلك فما ان رجعت الى المنزل حتى وجدت ابنتها قد تعافت تماما. 

 

ابن بطوطة والعلامة الحلي 

معلومات تاريخية مهمة زودنا بها السيد عبد الله الصفار الشقيق الاكبر لسادن مقام الغيبة عبد علي الصفار والذي يعتبر الوكيل الرسمي والشرعي من قبل المرجعية الدينية اكد قائلا إن «مقام الامام الحجة في مدينة الحلة من المقامات التاريخية المباركة ذكره ابن بطوطة في رحلته في القرن الثامن الهجري وقيل ان هذا المقام كان تابعا الى مدرسة العلامة الحلي وهو جامع الحلة الكبير وان العلامة الحلي وهو من علماء القرن الثامن عشر التقى الامام الحجة عليه السلام في هذا المكان حسب ما ورد في بعض المصادر منها كتاب يحمل عنوان تأريخ مقام الامام المهدي للباحث النجفي احمد علي مجيد وفيه تأريخ مفصل عن هذا المقام».

واضاف ان «مساحة المقام في السابق لم تكن تتجاوز الثلاثين مترا وآخر من قام بتشييده هو السيد محمد مهدي القزويني عام 1317هجري يقابلها 1896ميلادي ثم رمم وجدد عام 2001, اما اليوم وبجهد من المخلصين والمؤمنين تمت اعادة بنائه من جديد بعد شراء المحل المجاور له وتوسيع مساحته واعادة بنائه من طابقين على الطراز الإسلامي حيث زين بالمرايا والكاشي الكربلائي والشناشيل إضافة الى استبدال الشباك الخاص بالمقام الذي كان من الخشب الصاج باخر جديد مصنوع من النيكل والنحاس المطلي بالذهب والمرصع بالمينا.

وأضاف الصفار: كثير من المعجزات حدثت في هذا المكان المقدس الا ان اغلب الناس يتذكرون حادثة الكرسي التي وقعت على ما أتذكر في الشهر الرابع من عام 1988 حيث كان في المقام كرسي قديم من الخشب تستخدمه النساء في ايقاد الشموع عليه وهي شموع الكافور طبعا في يوم الخميس وحصل ان نسي الشخص الذي كان مكلفا بفتح وغلق المكان قبل ان يطفئ الشموع قبل خروجه فتفاجئنا صباحا باحتراق الكرسي بأكمله بحيث لم يبق منه شيء الا ان النار وبأعجوبة لم تصل ابدا الى (الزوالي والكاربت) الذي كان مفروشا في المكان تحته مباشرة وهذه الحادثة كانت اشبه بالمعجزة وهي من بركات الامام صاحب العصر والزمان فلو احترق المكان لكانت كارثة حقيقية.

ولم يفتني قبل ان اخرج من مقام صاحب الزمان ان اخذ شمعة من صينية مسؤولة المقام واضعها في الشمعدان الخاص الذي اتخذ ركنا خاصا به واقوم بإشعالها وانا اتمتم مع نفسي بأمنية حبيسة في صدري عسى الله ان تتحقق ببركة صاحب المقام.



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2