تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


مرض المدينة! بغداديون أجمعوا على أن الإسراف وإهمال المُلك العام أهم سلبيات مجتمعنا


عصام القدسي

حين نكتب عن سلبيات مجتمعنا ليس غرضنا الإساءة إلى احد أو انتقاده وتجريحه أو الانتقاص منه. إنما كي نسهم في تشخيص مواطن الضعف المتفشية في ممارساتنا الحياتية، وتسليط الضوء عليها لتصبح على طاولة البحث والنقاش، واقتراح الحلول الصحيحة كي نتخلص منها لنحقق خطوة مهمة نحو مجتمع متكامل خال من العيوب يحيلنا إلى التطور والرقي، مثل كثير من الدول المتقدمة.. هناك ممارسات وعادات سائدة بيننا نمارسها بشكل عفوي أحيانا ومتعمد أحايين أخرى لابد من مراجعتها واستئصالها مادامت تشكل شأفة في جسد المجتمع.


(نرجس) تفتح ملفها هذا العدد للتعمق في هذه الجزئيات السلبية التي وإن بدت صغيرة، لكن تعاظمها وتراكمها يشكل عفريتاً ينهش الثقافة المجتمعية ويقتل الحياة المدنية، ونلتقي هنا ببعض المواطنين في محاولة للكشف عن تلك الممارسات السلبية والعادات الخاطئة التي اكتسبناها دون أن نمعن النظر فيها ونفكر في ضررها وكيف السبيل إلى التخلص منها والاستعاضة عنها بما هو نبيل.

 

المُلك العام

ناصر الحمد 50 عاماً، ويعمل فلاحاً في حديقة عامة، يقول مشيرا إلى الواحة الخضراء التي يجلس فيها «هذه الحديقة أقامتها أمانة العاصمة للترويح عن الأسر الساكنة قريباً منها فتشاهدها وقت العصر وحتى ساعة متأخرة من الليل مكتظة بالنساء والرجال وأطفالهم يلعبون من حولهم».

لكنه يستدرك قائلا «للأسف ما لاحظته أن بعض الأسر لا تمنع أطفالها من الإساءة إلى المكان فحين يسحق الصغار على الزرع لا يمنعه الكبير بل يفعل مثله أو تمتد يد طفل لقطف الأزهار، لا ينهاه احد من أهله عن فعل ذلك، ويفهمه بأن الأزهار تزين الحديقة وتضفي عليها رونقا وجمالا وهي ملك الجميع بل أرى البعض يشجع طفله على قطف المزيد».

وتابع «كما إن بعض العوائل تترك بقايا طعامها وتغادر الحديقة ولا تكلف نفسها جمعها ورميها في سلة الأزبال، وهذا ما يحز في النفس ويدعو إلى الأسى. أتمنى أن ينتبه رواد الحديقة إلى هذه الممارسات السيئة لأنها تمثل إدانة لهم أولا وافتقارهم إلى الذوق السليم».

 

التحدث في الأماكن العامة 

وفي سلبية أخرى تقول زهراء محسن 21 سنة وهي طالبة جامعية «المعروف إن ليس كل ما يتبادر إلى الذهن يمكن أن يقال خاصة في الأماكن العامة. ففيما أراه إن البعض حين يكون في مكان عام مثل حفلة أو عيادة طبيب أو وسط تجمع معاملة أو في مستشفى بين المرضى، وخاصة حين يجلس في سيارة الأجرة (الكيا) فانه يشرع بالكلام بمناسبة أو دون مناسبة فيشرق ويغرب بالحديث يتكلم بأوضاع البلد وبالسياسة».

وأضافت « البعض ينتقل للحديث عن أسرته ويبوح بأشياء من المخجل التطرق إليها، علنا أمام الملأ فالأب يتحدث عن عقوق ابنه والمرأة تنتقد زوجها نقدا لاذعا والعمة تهاجم كنتها ويختم الواحد منهم حديثه باستعراض مشاكله الشخصية وأمراضه وعوزه ومظلومياته دون مراعاة أن الآخرين لا تعني لهم كل هذه الأمور شيئا وغير ملزمين بسماع هذا الهذر».

 

لا مبادرة إصلاحية

محمد جميل علّق على شيء آخر فقال «الشارع وأعمدة الكهرباء والهاتف والجسور والمباني الحكومية وغيرها ملك الشعب وجدت له ومن اجله، ولكن للأسف نرى معظم المواطنين لا يكلف نفسه أدنى جهد للحفاظ عليها أو السعي لصيانتها من الضرر وعلى سبيل المثال حين يرى سلك كهرباء مقطوعا ومتدليا من عمود أو ممددا في الشارع أو يشاهد حنفية ماء مكسورة تغرق الأرض لا يبادر للاتصال بالجهة المختصة لإصلاحها». 

وأضاف «أود لو يشعر المواطن بأن كل ما هو في هذا الوطن ملكه ووجد من اجله، وفي خدمته فلا يتقاعس عن المبادرة لإنقاذها من العطب أو على الأقل إبلاغ الجهات المسؤولة».

الافتقار إلى الذوق 

سعدون حميد 43 عاما، قال «هناك ممارسات قد لا ينتبه إليها المرء وربما يمارسها عن عمد بسبب قلة ذوقه أو استهانته بالآخرين منها إن البعض يجلس إلى جانبك في سيارة الأجرة ويصادر حقك في المقعد حيث يجلس فاتحا ساقيه أو يضع كوعه في خاصرتك، وذاك الذي يأخذ منك جريدتك ويشرع بقراءتها طول الطريق وأنت تنتظر متى يعيدها إليك لتتصفحها». 

واضاف «كما إن البعض حين يراك تلبس ساعة يلتفت إليك بين الحين والآخر يسألك عن الوقت. وبعض الأشخاص يظهر لك فجأة ينتزع من يدك سيجارتك دون استئذان، يشعل منها سيجارته ويعيدها إليك بلا مبالاة». 

ولم يغفل حميد عن «من يتوقف بسيارته وسط الطريق ويسده فيعطل انسياب المرور، ليسلم على صديق له ولا يكتفي بذلك بل يمضي بالتحدث إليه عن مشكلة ما ولا ينتبه إلى ما سببه للآخرين من إزعاج وتأخير».

 

هدر الوقت سرقة!

وفي تعليق آخر قال سلمان جبر، 60 عاما، إن «مراجعات دوائر الحكومة من أصعب واعقد الأمور لما يكتنفها من روتين قاتل وغياب الأساليب المتطورة والتقنية الحديثة فما زالت دوائرنا تدور في فلك (الطمغة) وكتابنا وكتابكم ودفتر الصادر والوارد تلك الأساليب القديمة التي كانت متبعة منذ العهد العثماني، في الوقت الذي بات في الدول المتحضرة بيع أو شراء دار يتم وأنت جالس في بيتك وعن طريق الانترنت ناهيك عن سهولة حصول جواز سفر أو مستمسك آخر مثل هوية الأحوال المدنية وشهادة الجنسية وغيرها».

 وأشار إلى أن «هذه الأساليب القديمة والروتين القاتل تدفع بالمرء أحيانا إلى مراجعة أكثر من دائرة وربما يضطر للسفر إلى المحافظات من اجل ورقة لتصبح معاملته اضبارة يؤول مصيرها الى مخزن رطب مترب».

وتابع أن «ما يزيد المرارة أن تتجشم عناء الذهاب إلى هذه الدائرة أو تلك خاصة إذا كنت كبيرا في السن، فتجد المدير غائبا أو في اجتماع أو منشغلا بالحديث مع ضيف له، لساعة أو أكثر وأنت تقف بانتظاره متى يفرغ أو تجده يأكل على مهل وإذا ما دنوت منه انتفض بوجهك. أو يكون حظك من المراجعة موظفا لا يستقر في مكانه هوايته التنقل من غرفة إلى غرفة ويستظرف بإلقاء النكت والقفشات».

 

انعدام الثقة 

إياد ياسين 33 سنة قال «ترتكز العلاقات الصادقة بين الأفراد على عنصر مهم ألا وهو الثقة المتبادلة وإذا ما غابت نشأت علاقات مضطربة قوامها الشك والحذر وتجنب الآخر. فإخلاف الموعد خصلة سيئة لدى البعض ممن ترتبط معه بموعد فيأتي إلى الموعد متأخرا أو لا يأتي أبدا، ويتركك تنتظر ولا يكلف نفسه الاعتذار. وهناك من يستدرجك بكلام معسول ليستدين منك مبلغا لأجل مسمى لكنه لا يرد لك ما استدانه وحين تطالبه يواجهك بصلافة ويزعل».

 

النميمة والنفاق والاغتياب 

أم ثائر 59 سنة عاملة: صفة النفاق والنميمة والاغتياب لمستها لدى الكثيرين ومن معظم شرائح مجتمعنا مهما كانت درجة وعيه وعمله. فهناك من لا يطيق حفظ لسانه ويهرع إلى النميمة فينقل لك عن الغير وينقل لهم عنك حتى لو تكلمت أمامه بنية حسنة كأن تشكو له حيفا الم بك وكنت محقا بشكواك فهو يعيد صياغة ما قلت بطريقة خبيثة وينقل عنك وبالعكس. فينطبق عليه المثل «من نم لك نم عليك». وهناك من ينافق ليحقق مصالحه فيخلع على أشخاص صفة الملائكة رغم علمه بمساوئهم.وهناك من يغتاب حتى من أحسن إليه. كأن يكون مع مجموعة أصدقاء فما أن يغادر احدهم حتى راح ينتقده نقدا جارحا ويبين عيوبه. وإذا دعي إلى وليمة حالما يخرج يقلل من شأن ما قدم فيها ويتهم صاحبها بالبخل وغيره. وإذا ما دعي إلى بيت صديقي واطلع على وضعه اخذ يتحدث عنه وعن أسرته بكلمات معيبة.

 

الترهل والإنفاق

الكثير ممن التقتهم (نرجس) في هذا الملف ركزوا على سلبية أو اتفقوا فيها وهي الترهل غير المبرر والإسراف الذي يمتاز به المجتمع العراقي، حيث عبر المواطنون عن أسفهم الكبير لكن بآراء وأمثلة مختلفة، مشيرين إلى أننا مترهلون بامتياز، في طريقة بناء مساكننا وفي ملبسنا وطعامنا وفي تنفيذ رغباتنا التي تبلورت بعشوائية بائسة، ترهقنا وتستنزف قدراتنا دون الوصول إلى الاكتفاء. 

وهنا نستطلع آراء البعض لمعرفة بعض أشكال الخلل التي أحالت حياتنا إلى هذه الفوضى.

 

نبالغ في منازلنا 

جمعة ناصر 56 سنة قال: منذ عقود خلت، غادرت الدول المتقدمة وبشكل كبير، البناء الأفقي بعد التزايد المهول لسكانها، وصارت تعتمد على البناء العمودي لاحتواء اكبر عدد من الأسر في وحدة سكنية تقام على رقعة من الأرض قد لا تتجاوز مساحتها، مساحة منزل تسكنه عائلة عراقية واحدة. فما زلنا مستمرين في إنشاء مساكننا على طريقة الخمسينات من القرن الماضي حيث كان سكان العراق آنذاك ثلاثة ملايين، فنشيدها بمساحات كبيرة تحتوي على مجموعة كبيرة من الغرف،وغرفة صالة واستقبال وملحقات نادرا ما نستخدمها وحديقة مترامية الأطراف. مساكن كبيرة فضفاضة، يصادف أن يحتلها ثلاثة أو أربعة أنفار دون مراعاة إن العراق تجاوز عدد سكانه الثلاثين مليونا وان هناك أزمة سكن خانقة اضطرت اسر كثيرة إلى السكن في بيوت من صفيح أو بإيجار في سكن خانق يستنزف موردها المادي ويحيلها إلى العوز والحاجة المرة.

 

نعيش لنأكل

قاسم حسن 55 عاما موظف قال «نحن نأكل لنعيش» مقولة تصيب كبد الحقيقة فالأكل غرضه استمرار وديمومة حياة الإنسان بينما نحن نتبع عكس المقولة «فنعيش من اجل أن نأكل» فالكثيرون منا اتخذ الأكل غاية وليس وسيلة فنحن نسرف في مائدتنا ونأكل بشكل لا تحده ضوابط وقد نأكل ما يضر أجسامنا. ونعتبر التبذير في الطعام كما هو سائد ومترسخ في تقاليدنا، من علامات سخاء النفس يوجب الثناء بدل الذم، فترانا نبالغ في إقامة ولائمنا ونطبخ أكثر مما نحتاجه. فوليمة نقيمها لأربعة أشخاص، نتعمد إلى إعداد طعام يكفي لعشرة أو خمسة عشر فردا تباهيا، حتى لو اضطررنا لاستدانة مبلغ تكاليفها. 

 

الملابس مهمة ولكن..

سناء محمد 43 سنة مهندسة قالت: زرت بلدانا عدة ولاحظت إن الناس بصرف النظر عن وضعهم المادي، يرتدون ملابس متواضعة والمرأة لديهم لا تسرف في ماكياجها ولا ملبسها وقد تفعل ذلك إذا ما دعيت إلى حفلة تدعى إليها فحسب، فالجمال والوسامة جمال الروح ووسامتها وما يمتلكه الإنسان من وعي وثقافة تختصر الكثير لتقدمه للآخرين، وتكسبه محبتهم واحترامهم.

واضافت: أما نحن فالمرأة منا إذا ما ذهبت إلى العمل أو خرجت إلى السوق تضع كامل ماكياجها وزينتها ولا تكتفي بلمسات منه تضفي عليها مسحة من الجمال. فالمبالغة في صرف المال على أمور ليست ذات قيمة، شعارنا ولا نتورع عن إهداره على ما نحتاجه ولا نحتاجه ومنها الملابس والزينة، ففي خزانة الكثير منا وخاصة الشباب والنساء عشرات الملابس والأحذية وغيرها من مقتنيات كالساعات والكاميرات وغيرها لا يستخدمها مقتنوها إلا، ربما، مرة واحدة أو مرتين وتظل حبيسة الخزانة.أما نساؤنا فهي مولعة دون مبرر في تكديس الملابس، فنرى قسما كبيرا من راتبها أو راتب زوجها يذهب إلى شراء الملابس والأحذية والماكياج علما إن الظهور بمظهر الأناقة والجمال لا يستدعي ذلك. لذا علينا الانتباه إلى طريقتنا في اقتناء ملابسنا وأدوات الزينة حتى نوفر المال ولا نقع في مأزق العوز.

 

أشياء لا نحتاج إليها

من جانبه، علّق طارق عبد الجبار قائلاً «عادة لدى البعض أن يشتري أشياء، ليس لحاجته إليها بل لأنها أعجبته أو وجد سعرها رخيصا وهذا تصرف خاطئ واستنزاف بطيء لمورد الأسرة، مشيرا الى ان «الصحيح هو أن نشتري ما نحتاج إليه فعلا وما يساهم في تسهيل حياتنا ويحقق رفاهيتنا. فشراء الأشياء البسيطة من السوق وبأسعار رخيصة وباستمرار يستنزف دخل الأسرة دون أن تشعر. وأتمنى أن ننتبه إلى هذه الحقيقة. فممّا نلاحظه إن ربة المنزل وحتى بعض الرجال يقتنون أشياء صغيرة، لا يلبثون التخلي عنها أو رميها وقد تكون فائضة عن الحاجة فما الفائدة من شراء طقم قدور أو أوعية طعام أو فناجين بحجة إنها جميلة ورخيصة و»بوفية « و»كاونتر» المطبخ يطفحان بها ويزيد عن الحاجة. ولماذا نشتري لعبا كثيرة بذريعة إنها رخيصة الثمن، وبعد ساعات من شرائها يرمي بها الطفل وتصبح عبئا على البيت فنضطر إلى رميها في النفايات».

 

الموبايل والكومبيوتر وملحقاتها

هيفاء سعيد 40 سنة ربة بيت: الموبايل جهاز مفيد معروف استعماله وهو الاتصال لا غير. ولاشك إن اقتناءه لم يعد ترفا أو تباهيا بل ضرورة ملحة. ولكن ظهور موديلات متطورة وغالية الثمن تصل إلى المليون دينار أوقع كثيرا من الأسر بمأزق مادي لا تحسد عليه، فما أن يظهر موديل جديد حتى يتخلى الأبناء عن موبايلاتهم ويضغطون على أولياء أمورهم بشتى السبل لشرائه لهم. 

 

عادات توارثناها 

ويرى باحث اجتماعي وهو سلام أمين ان «هذا الترهل في الإسراف والتبذير والمبالغة المتفشية في مجتمعنا بعضها سببه عادات قديمة توارثناها وبقينا نمارسها رغم تغير الدنيا وتطورها كما إن هناك ممارسات نقلد فيها الغرب دون أن نقدر عواقبها، فهي تكلفنا الكثير وتشيع الفوضى في حياتنا وتدفعنا إلى الجري واللهاث وراء وهم رفاهية زائفة».

وطالب «المجتمع والجهات الرسمية والمنظمات الاجتماعية والإعلام بالنهوض لوضع خطط حياتية جديدة لرسم ملامح مجتمع جديد وعادات وتقاليد حسنة تغير مسيرته بعادات وتقاليد تحيد به عن عادات الإسراف وتحقق الاكتفاء الذاتي في كثير من أمور حياتنا مثل طريقة إنشاء مساكننا بما يحقق السكن المريح وتأثيثه بكلفة اقل مما اعتدناها ومراجعة ما نبذله على مقتنياتنا من الملابس والزينة بما يظهرنا بالمظهر الجميل دون إسراف. والإمعان بما نأكله دون تبذير. والانتباه إلى شراء ما هو ضروري وعدم الصرف في مجال لا يضيف لنا شيئا ولا يساهم في صنع حياة أفضل». 

 

الدول المتحضرة ووعي الفرد

شذى أكرم 35 سنة وتحمل شهادة الماجستير لغات:  الشعوب المتحضرة تعتبر وعي الفرد وتنميته والارتقاء به محور حضارتها وتقدمها لذا تهتم به وتحرص على تنشئته وتعليمه. تؤازرها في ذلك الأسرة والمجتمع بتهيئة كل مستلزمات نجاحه وإذا ما اكتشفت مدرسته إن لديه موهبة في مجال ما فإنها تلتزمه وترعاه حتى تظهرها للعلن فتتولاه بالرعاية من بعدها هذه المؤسسة أو تلك. ومظاهر الوعي يتصف بها المجتمع المتقدم أينما توجهت ولا مهرب للمرء من تلقيها فهناك كثرة الصحف والمجلات والكتب وعادة ممارسة القراءة وهناك الفضائيات والبرامج العلمية والثقافية بأرقى مستوى وهناك الفنون كالسينما والمسرح والفنون التشكيلية والتصوير والعلوم كلها تواجه المرء وتجبره على الفهم والإدراك ونحن اذا ما أردنا أن نخلق شعبا واعيا فاعلا في مسيرتنا نحو التقدم والحضارة علينا رعاية المواهب والاهتمام بالعلوم والفنون والأدب وإشاعة مفرداتها في حياتنا اليومية والاهتمام بالوعي بدءا بالطفل.

 

ضحالة الوعي

سعدون رحيم 43 سنة معلم: هناك أفراد ينتمون الى العصر الحجري وحين تحدثه عن التطور العلمي والحضاري يندهش ولما تخبره إن الإنسان وصل الى القمر يعتبر كلامك كفرا وإلحادا تصور انه لا يعرف في أي سنة نحن ولا كم هو سنه ومتى ولد أو كم عدد أبنائه وماهي أعمارهم فمثل هذه الأسئلة تدفعه للحيرة وتجعله يستغرق بالتفكير ليجد الإجابة عليها. ترى كيف قضى هذا الشخص سنوات عمره وما الذي غيبه عن المعرفة وإدراك الحياة. ولاشك إن هناك في مجتمعنا مثله الملايين. وان كانوا على هذه الضحالة من الجهل فالسبب هو المجتمع فمن مهمته الارتقاء بوعيه ورفع مستوى حضوره الإنساني ومن المؤكد إن مثل هؤلاء لا يشكلون رقما في معادلة بناء البلد ورقي المجتمع ويعدون خسارة للجميع ولو كان هؤلاء يتمتعون بدرجة من الوعي لرأيتهم يحتلون مواقعهم الملائمة في عملية صنع الحياة الواعية المتقدمة المرفهة.

 

قتلتنا السياسات الهوجاء

وائل جعفر 34 سنة فنان تشكيلي قال: العراق بلد الخيرات وله أسس راسخة في الثقافة والعلوم والفنون والآداب متمثلة بإرثه الحضاري الممتد لآلاف السنين لذا نرى الفرد العراقي يتصف بالذكاء والقدرات الخلاقة. فهو يولد وبداخله بذور الموهبة ولكن السياسات التي تعاقبت على حكمه جنت عليه فقتلت فيه حسه الإنساني وشلت طاقاته ومواهبه. سياسات بلهاء كل همها الاستمرار في الحكم حتى لو كان على حساب وجود الفرد العراقي وكرامته. 

 

مواهب مهدورة

جاسم أمين يرى ان لدى كل عراقي موهبة مثل الغناء والتمثيل والموهبة الموسيقية والفنية والأدبية والاختراع والإبداع والاكتشاف فمن منا لم يشهد أثناء دراسته بكافة مراحلها مواهب طلابية غاية في الروعة ترى أين هي الآن.؟ بلاشك ذابت بفعل الإهمال وتقادم السنين وتلاشت وأصبحت مجرد ذكرى ولو تم احتضانها من قبل الأسرة والمدرسة والمجتمع لأصبحت ذات شان واصبح أصحابها رموزا ثقافية وعلمية تعزز وجود المجتمع ومكانته بين الأمم وتساهم في رقيه ولكن للأسف مجتمعنا لا يهتم بالمواهب الخلاقة وإذا ما اكتشفها في شخص، يحاربها ويسعى الى قتلها. ولكي نرتقي بوعي الفرد والمجتمع علينا الاهتمام بمواهبنا بل السعي لاكتشافها وتطويرها، المواهب العلمية والأدبية والفنية. فالشعوب تتطور بهؤلاء المبدعين واحتلالهم لمواقع متقدمة بيننا لنغتني بقدراتهم الخلاقة ونتعلم منهم.

 

الأسرة والطفل

وذهب المفتش التربوي أمجد جمعة إلى أن «وعي المجتمع عموما يبدأ بالطفل واهتمام الأسرة ثم المدرسة ثم مؤسسات المجتمع المعنية وإذا ما نظرنا الى علاقة الأسرة بالطفل في مجتمعنا بصورة عامة فهي ضعيفة وليس هناك قواعد ثابتة تسير عليها في تنشئة طفلها وتطوير وعيه وقدراته الذاتية، بل إنها لا تفعل ابسط من ذلك فهي حتى لا تأخذ بيده وتساعده على الدراسة وتسهل مهمة استيعابه للدروس بتدريسه رغم وجود أفراد داخل الأسرة نالوا حظهم من الدراسة ويتمكنون من القيام بهذه المهمة».

وتابع أنه «ليس للأسرة العراقية عموما الرؤية الواضحة في تلقينه العادات الحسنة والسلوك القويم لعدم تشخيصها هي بالذات لهذه العادات والقيم فنرى التربية في أسرنا متراخية وكيفما اتفق تسودها العشوائية والسلوك الفوضوي وهذا ما يخل بأسس وعي الفرد ومن ثم المجتمع وسبب هذا، غياب الخطط الكبيرة للدولة ومؤسساتها التي يتحتم عليها أن تهتم بتنمية وعي وثقافة الفرد والمجتمع ورفع قدراته على الخلق والابتكار وتحقيق إنسانيته». 

 

تعليم روتيني

لكن وعد عبد الرحمن يرى أن «التعليم في بلدنا بائس روتيني لا يساهم بخلق وعي الفرد وتطويره ابتداء من المراحل الأولى منه حتى الدراسة الجامعية فمدارسنا تسودها الفوضى ومعلمنا يحتاج الى الكثير ليتعلمه ومنها قواعد التنشئة الصحيحة وتغذية وعي الطالب وتنمية مواهبه».

وأضاف أن «غرفة الصف يحشر فيه عدد كبير لا يمكّن المعلم من شمول الطلبة جميعهم بالاهتمام، وغياب البيئة المدرسية المريحة وعدم الاهتمام بدروس الرياضة والموسيقى والفنون الأخرى التي تكتشف مواهب الطلبة وتطور مهاراتهم وكذلك الدراسة في المرحلة الثانوية والجامعات لا تقل فوضى عما هي عليه في المرحلة الابتدائية ويجب على المهتمين بالتربية والتعليم مراجعة كل خططها التدريسية والاهتمام بمعاقل الدراسة وتوفير البيئة والمستلزمات التقنية التي تسهل استيعاب الطالب وتطور وعيه وفكره وتساهم في خلق جيل متحضر».

 

دور الإعلام في نشر الوعي 

لكن خطاب صالح أكد أن للإعلام دورا مهما في نشر الوعي فالصحف والمجلات والفضائيات والإذاعات وكذلك الإعلام الجماهيري كالندوات والتجمعات الثقافية ونشاطات منظمات المجتمع المدني وغيرها كلها تستطيع أن تؤثر بوعي المجتمع وترفع مستواه فالبرامج التي تقدمها فضائياتنا تستطيع الاستغناء عن كثير منها واستبدالها ببرامج اجتماعية واقتصادية وصحية وتربوية على أن تكون ذات أسلوب مبسط ومشوقة تجذب المشاهد البسيط والمتعلم.

وأضاف «كذلك الإعلام المقروء والمسموع فهذه الوسائل تذهب الى المواطن وتدخل الى كل بيت وتوضع بين يديه بسهولة ويسر بينما نرى إعلامنا المقروء والمسموع والمرئي للأسف يضج بالترهات والإسفاف والشد والجذب ولابد من أن نلتفت الى أهمية الإعلام ونشاطات المجتمع المدني والجماهيري ونشاطات المؤسسات التربوية للارتقاء بوعي الفرد وعدم تركها تعمل دون خطط مسبقة، وتضع نشر الوعي الاجتماعي بعين الاعتبار». 

 

وعي المواطن والتنمية

وعي المواطن بمسؤوليته وإدراك المسؤول أهمية هذا الوعي ومساعدته على الحصول عليه وتنميته، سيحقق المعادلة الأصعب المتمثلة في زرع الشراكة بين الواجب والمسؤولية، أو بمعنى آخر هو تعزيز مفهوم المواطنة السليمة الصالحة المنتجة التي تضمن ترابط جميع أطياف ومؤسسات المجتمع بعضها ببعض، وإحساس كل طرف بمتطلبات الآخر وأهمية عطائه وإنجازه، والعمل جميعا على حماية المنجزات وتحقيق استدامتها بما يضمن استفادة الجميع منها، خصوصاً الأجيال القادمة، لأن ما نراه اليوم من ضرورة حجم الإنفاق على مختلف المشروعات الإنسانية والمكانية، يتطلب جهدا أكبر للتوعية وتعزيز الشراكة المجتمعية، وحماية وصيانة الأملاك العامة والخاصة. إن وعي المواطن المساهم بالتنمية، مسؤولية عظيمة تتطلب الالتفات لها، وهذا العمل يجب ألا نتأخر في تنفيذه، خصوصاً مع المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية التي تحيط بنا، والتأثير الإعلامي الدافع نحو السلبية والإحباط وعدم المبالاة، وهو ما يؤدي إلى مزيد من الفجوة بين المواطن والمسؤول، ويعزز من مفهوم التنمية السلبية أو ما يسمى التنمية الرعوية، التي يتوقع طرف من الطرف الآخر أن يقدم له كل شيء وهو لا يقدم أي شيء، وهذا ما يحذر منه المختصون بالشأن التنموي. 

 

الفكر السياسي وضرره 

سما محسن 29 سنة رأت ان السياسة الفوضوية التي يسير عليها بلدنا تسببت بهدر كثير من الفرص الرامية الى تنمية وعي الفرد والمجتمع باملاءاتها العشوائية المتطرفة النابعة من نهجها الطائفي والتي أدت الى القتل والخراب ومنها الأفكار السامة التي سممت عقول كثير من شبابنا وحولتهم الى قتلة ومغتصبي حريات الآخرين كما تسببت بالتفجيرات التي قامت وتقوم بها فئات تنتمي الى أحزاب دينية متطرفة فهذا التلقين السيئ اضر بالمجتمع بكل أطيافه وأدى الى تفككه وأشاع مزيدا من الفوضى والتهجير والإعمال الإجرامية، منها تفجير الكنائس والمساجد والحسينيات والمقاهي وملاعب كرة القدم والقتل بشتى طرقه ومن المجدي إن تتوقف السياسة عن التدخل في رسم وعي الشعب عدا ما يتفق مع مبادئ الديمقراطية وعليها أن تنشغل بمهام كثيرة تنتظرها لتحقيقها كالخدمات والماء والكهرباء وحل أزمة السكن والنهوض بالصناعة والزراعة ورفع مستوى الشعب ألمعاشي وإطلاق الحريات وغيرها من المهام وعليها أن تتعض من الأنظمة السابقة التي حاولت على مدى عقود فرض فكر معين وصبغ المجتمع بفكر أو مذهب أو إيديولوجية ما وفشلت فشلا ذريعا وانتهت ومضت خائبة وانقرضت وأصبحت نسيا منسيا.



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2