تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


سوق الصفارين.. منجم الفنون الحرفية ومقصد الرؤساء والنجوم


بغداد/ علي ناصر الكناني

وأنا في طريقي إلىأقدم واعرق سوق عرفته بغداد من بين العديد من أسواقها ومعالمها التراثية وهو»سوق الصفارين» الذي عاش ومازال في حالة مأساوية وصل اليها قبل أكثر من ربع قرن من الزمان بسبب الظروف القاسية، تداعت في ذاكرتي تلك الصور المؤلمة بعد ان تفاقمت عملية غزو هذا السوق العريق ومهنه الأصيلة.


 مهن وحرف أخرى دخيلة لاتمت بصلة لطبيعة تقاليده ومنتجاته التي تعتمد مادة الصفر والنحاس أساسا لها, كبيع الأقمشة والعدد اليدوية والمواد الاحتياطية للطباخات وغيرها ليسفر ذلك عن غياب ضجيج مطارق أسطواته وحرفيي الصنعة الذين غادروه لمهن أخرى بديلة قد توفر لهم أسبابا أفضل للعيش وكسب الرزق والبعض الآخر تخلّوا عن دكاكينهم وورشهم لمن يدفع أكثر وفق ما يسمى «سر قفلية» من أصحاب المهن الدخيلة والغريبة كبيع الأقمشة وغيرها  الى جانب الكساد وعدم الإقبال على الشراء للتحف والمنتجات النادرة.

 الصدأ يكاد يكسو سنادينه الحديدية العتيدة لولا وجود ثلة قليلة من رواده وصناعه القدامى ممّن أصروا على التمسك بأهداب الصنعة ومواصلة العمل اليدوي والحرفي رغم تقدمهم في السن في محاولة لاتخلو من الإصرار والشجاعة في التواصل للمحافظة على السوق وهويته العريقة لمهن توارثوها عن آبائهم وأجدادهم من الاندثار والضياع والنسيان.

ما يحفز على الكتابة عن سوق الصفارين هذه المرة هو ماشهده مؤخرا من محاولة طيبة وجيدة لإعادة الحياة إليه عقب زيارة ميدانية من أمانة بغدادواللقاء مع عدد من العاملين فيه والاطلاع على معاناتهم ومقترحاتهم التي يطمحون لتحقيقها والتي تصب باتجاه الاهتمام بالسوق وحرفييه والحد من تفاقم انتشار المهن الدخيلة عليه وحث الوزارات والمؤسسات الثقافية والسياحية على المساهمة من جانبها باقتناء المنتجات النحاسية المحلية والمصنعة فيه والحد من استيراد المقتنيات والمنتجات المشابهة لها من الخارج.

اللقاء بعدد من العاملين فيه وخاصة بعض رواده القدامى وفّر لي فرصة التعرف والاطلاع على المزيد من الأسراروالحكايا النادرة والذكريات الجميلة لزمن مضى ولكنها مازالت باقية تنبض حية في الذاكرة وصداها مازال يتردد في النفوس وبين أروقة السوق وورشه القديمة.

يقول ماجد صالح خليفة الصفار صاحب محل لبيع النحاسيات «إنه سيد الأسواق البغدادية وبلا منازع».

توارث خليفة المهنة وأسرارها عن والده وجده حتى غدت مهنة الصفار لقبا لعائلته ليكتسب خبرة طويلة في هذا المجال تمتد إلى عام 1969.

 زارت السوق كما يقول نقلا عن والده العديد من الشخصيات العراقية المعروفة آنذاك من بينهم «الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم الذي كان بشهادة العديد من رواد السوق غالبا مايتردد عليه ليشتري منه اغلب اللوازم والأوانيالمصنعة من الصفر والتي كان يستخدمها الجيش العراقي وقت ذاك في الطبخ وذكر لي والدي والكلام مازال للصفار خليفة, بان الزعيم عبد الكريم كان قد اشترى منه ذات مرة (80) إبريقاً كبيراً لعمل الشاي (كتلي) مصنوع من مادة الصفر بسعر دينار لكل واحده منها, تشجيعا منه لهذه المهنة والصناعة المحلية».

وأشارإلىأن اغلب الأواني المستخدمة في الطبخ سواء كانت في البيوت أم في المطاعم هي من الصفر ولعلك تجد الآن الكثير من هذه الأواني في دكاكين ومحال السوق, يقتنيها العديد من الناس كمقتنيات تراثية تذكرهم بأيام زمان.

 ويواصل الصفار خليفة حديثهان»السوق زاره العديد من الشخصيات السياسية والاجتماعية المعروفة وقادة وزعماء عرب وأجانب وخاصة في السبعينات ومن بين هؤلاء , جورج بومبيدووانديراغاندي ورئيس وزراء اسبانيا آنذاك».

وذكر خليفة حادثة لاتخلو من الغرابة وهي «محاولة احدى دول الخليج وهي قطر باستقطاب عدد من الصناع الماهرين والعاملين في مهنة الصفارة بحجة دعوتهم لترك العراق وتقديم المغريات المادية الكبيرة لهم نظير الإقامة والعمل هناك وكان ذلك بعد أحداث عام 2003 وفق خطة مدروسة لطمس معالم هذا السوق التراثي الموغل في القدم وتجريده من حرفييه ولكن جوبه هذا الأمر بالرفض وحسب علمي لم يوافق اي واحد من الصفارين عليه.

الصفار توفيق بهاء حسين (أبو خالد) يعد من الصفارين القدامى في السوق وقد توارث المهنة عن والده وجده كما يقول، ليورثها هو ايضا بدوره الىاولاده.

يشير ابو خالد الى داخل المحل حيث مقتنيات نحاسية بمثابة تحف فنية نادرة مطرزة بالنقوش والزخارفالجميلة ليفاجأني، ويقول انها من صنع يده و»هي مدعاة فخر واعتزاز» كما يشير و»لأولادي من بعدي كوني الآن لا أقوى على العمل بحكم المرض وكبر السن ولكني مازلت وسأبقى ماحييت متمسكا بمهنة الصفارة التي هي مهنة آبائي واجداديواولادي من بعدي».

أبو خالد ناشد بدوره الجهات المعنية الأخرى أن تسعى بذات الاتجاه الذي اتخذته امانة بغداد في الحفاظ على السوق واعادة تأهيله بإقامة المعارض التراثية الخاصة بمنتجات السوق داخل وخارج العراق من دون ان ينسىالاشارةالى زيارة الرئيس الفرنسي جاك شيراك في سبعينيات القرن الماضي.

يقول «كنت على وشك الانتهاء من صينية متوسطة الحجم تمثل لوحة، نُحت عليها مسلة حمورابي وتوقف يتابعني بإمعان فما انانتهيت منها حتى قدمتها له كهدية وسط اعجاب من حضر معه فشكرني كثيرا». وتمنى ان يعود السوق الى حالته ايام زمان يوم كان يبقى كما يقول مفتوحا حتى ساعات متأخرة من الليل وليس كما يحصل الآن فان ورشة تقفل أبوابها بعد فترة الظهيرة لانعدام حركة التبضع فيه بعد هذا الوقت.

ومن الصفارين المتميزين في هذا السوق الذي يشهد له العديد من العاملين فيه بأنه من قدامى العاملين فيه، الصفار عدنان جواد الجوهري الذي تجاوز الثالثة والسبعين من العمر ولكن روحه البغدادية الأصيلة كانت تطغى على حديثه وطبيعتهالمرحة، فهو من مواليد بغداد في منطقة باب الأغا وكما يقول بالقرب من سوق الصفارينوخلف سينما رويال الصيفي.

يروي الجوهري كيف كان يسارع مع بقية الصبيان ممن هم في عمره ليتأمل بشغف طفولي شفيف مازال لحد الآن يداعب مخيلته وذاكرته ملك العراق فيصل الثاني مع خاله الوصي عبدالاله وهما يمران بعربتهما الملكية التي تجرها الخيول في شارع الرشيد.

 قلت للجوهري يبدو انك تمتلك خزينا فريدا من الاسرار والذكريات عن الكثير من الشخصيات السياسية والفنية والاجتماعية التي زارت السوق وقد لاحظت حرصك على توثيق ذلك بصورك الفوتوغرافية معهم والتي تزيّنت بها جدران محلك هذا الى جانب التحف النحاسية الجميلة والنادرة فهل لنا ان نتعرف على المزيد من تلك الذكريات فقال:

ورثت المهنة من والدي رحمه الله منذ عام 1952 يوم كنت لا اتجاوز العاشرة من العمر , ففي عام 1957 جاءني شخص مع سيده بهية الطلعة لم اعرفها أولالأمر ولكن الشخص المرافق لها قال لي أن هذه السيدة هي (عابدية) أخت الوصي عبدالاله خال الملك فيصل الثاني وحضورهم الى السوق هو لشراء ماتسمى  بـ»اللالة»وهي آلة نفطية مستخدمةلاغراضالانارة فقمت ببيعهم عددا منها لان والدي لم يكن موجودا وقتها فأوصلتهم الى السيارة الخاصة بهم والتي كانت تنتظرهم قرب المتحف العراقي سابقا والذي هو حاليا المتحف البغدادي فطلبوا مني مرافقتهم الى قصر الزهور وعرفت فيما بعد ان السيارة التي كانت تقلهم هي عائدة للملك غازي نوع مرسيدس. وقد اهداها له الزعيم الالماني هتلر وهي الآن من مقتنيات امانة بغداد على مااعتقد. 

ويواصل الجوهري حديثة مستعرضا شريط ذكرياته الطويل والممتع بقوله:

من بين الشخصيات الفنية التي زارت السوق ايضا في السبعينات الممثل الاجنبيانتوني كوين والذي اشترى مني بعض التحف النحاسيةالحرفية والبسط المصنوعة يدويا ومازلت اذكر جيدا يوم كنت ماازال في سن الصبا زيارة فرقة يوسف وهبي وأمنية رزق الفنية والتي قدمت عروضها في بغداد وقد اصطحبني والدي انذاك لمشاهدة وحضور إحداها وقد قاموا ايضا بزيارة السوق وشراء بعض الحاجيات والتحف من والدي وكنت أصغي لهم اثناء الحديث مع والدي وهم يبدون اعجابهم بأخلاق اهل بغداد وطيبتهم وكرمهم .

وفي عام 1964 زارالسوق ايضا المطرب الراحل عبد الحليم حافظ ولدي صورة معه احتفظ بها داخل المحل وقد اشترى من والدي تحفا وسجادا يدويا وقد لاتصدق بانني قد غنيت امامهعند زيارتي له في فندق بغداد مقطعا من احدى اغانيه بعد اناخبرتهباعجابي اللامحدود بصوته. 

وعند سؤالي له عن رأيه بالحملة التي قامت بها امانة بغداد مؤخرا لاعمار السوق وتأهيله قال : يؤسفني بانني لم اكن موجودا اثناء زيارة امين بغداد لأشكره وأتمنىالانان يزورالسوق ثانية لاقدم له هدية متواضعة من النحاس من الأعمال اليدوية التي قمت بصنعها بيدي قبل سنوات يوم كنت ماأزال في مقتبل العمر.

من جهته اكد المهندس كريم طاهر معاون مدير عام دائرة بلدية الرصافة، الجهة المعنية والمباشرة بتطوير وتأهيل سوق الصفارين قائلا ان «أهمية ومكانه السوق التأريخية كونه معلما تراثيا واثريا قديما».

واضاف: باشرنا العمل بتأهيل وصيانةواعمار السوق، مشيرا الى ماتعرض له هذا السوق خلال السنوات الماضية من تداعيات واهمال من قبل الجهات المعنية يومذاك وعزوف الكثير من العاملين فيه بالاتجاه الى مهن اخرى غير الصفارة لدرء قساوة الظروف المعيشية بعد توقف الحركة السياحية لسنوات طوال.

وحسب التوجيهات الصادرة الى دائرتنا فقد باشرنا بالقيام بحملة مكثفة وواسعة له وللمنطقة المجاورة له والمحاذية للمدرسة المستنصرية, حيث تم قلع الأرضية القديمة المتآكلة للسوق واصلاح منظومة المجاري والمنهولات وتبديل المشبكات ومن ثم اعادةاكسائها بالمقرنص وكذلك ازالة السقف القديم للسوق وإعادة تغليفه بمادة بلاستيكية جديدة تسمح بدخول الاضاءة وتمنع تساقط الامطارالى داخل السوق ليكون بحلة جديدة اكثر جمالا ومجموع عملية التطوير والتأهيل لم تستغرق وقتا طويلا كما ان هناك إجراءات وقرارات ستتخذها الأمانة بخصوص المحافظة على طبيعة عمل السوق والمهن التي يسمح بمزاولتها فيه. 



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2