تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


النازحات ..قصص مأساوية وقلوب واهنة


عدوية الهلالي

لم تتخيل (ميسون) انها ستصحو ذات نهار لتجد نفسها في هيكل بناء لم يكتمل وقد احتضنت الرمال فراشا والتحفت السماء غطاءً، وتكدس حولها عشرات الاشخاص النائمين في حالة شبه اغماء من شدة الاعياء والفزع الذي قادهم الى هذا المكان ليختبئوا من بطش (داعش) ووحشيتهم. 


كان الهجوم قد بدأ فجرا حين حاصر أفراد (داعش) منطقتهم السكنية في قضاء الكرمة ثم دخلوا اليها طالبين من اهلها موالاتهم والقتال الى جانبهم لكنهم لم يكونوا مقتنعين بذلك بل دفعهم الخوف الى المكوث في منازلهم لحماية عوائلهم على الأقل. 

بعد حصار طويل وقتال متبادل بين قوات داعش وقوات الجيش ثم انسحاب داعش مؤقتا من المنطقة، قررت العوائل الخروج من المنطقة بلا تخطيط مسبق ودون ان تفكر في الجهة التي ستقصدها ..خرج العشرات عند منتصف الليل بلا امتعة او حقائب ..وكل ما كانوا يحملونه «رعب حقيقي من تعرضهم للهجوم».

لم يكن هيكل البناء الا محطة استراحة لهذه الجموع المرتعبة، انطلقوا بعدها للبحث عن سقوف تؤويهم لدى معارفهم وأقاربهم في العاصمة او بتأجير منازل في احيائها المتواضعة او استغلال المدارس والأبنية المتروكة.

هكذا بدأت قصص اغلب النازحات وربما كانت (ميسون) افضلهن لأنها استقرت مؤقتا لدى اقاربها ثم قام اهلها بتأجير منزل في منطقة ( النصر والسلام ) في اطراف بغداد.. وتتألم ميسون كثيرا حين تتذكر منزلهم وحجرتها واثاثهم وحديقتهم الواسعة حيث تجتمع مع جاراتها لتناول (شاي العصرية) او يجتمع فيها رجال المنطقة في جلسات سمر جميلة.

تبكي ميسون وتسأل والدتها أحيانا: «هل سنعود يوما الى ديارنا»؟ فيعلو الوجوم ملامح والدتها المسنة وتقول لها :» يجب ان تتعودي على ما وصلنا اليه».

 

الموت والنزوح

ولم تجد ( ام علاء) الوقت لتبكي ولدها الذي قتلته رصاصة طائشة خلال نزوح العوائل من منطقة عكركوف ولم يتمكن اشقاؤه من دفنه بأيديهم، شعرت بأن مهمة انقاذ ارملة ابنها الشابة وولديها الصغيرين اهم بكثير من الركون الى الحزن والانهيار ..تماسكت وانتصرت على فجيعتها لتصل الى بر الأمان وحين وصلوا الى منزل احد معارفهم في بغداد وقعت طريحة الفراش وأصيبت (الكنة) بصدمة نفسية لأنها لم تر زوجها بعد مقتله ولم تصدق ولا تريد ان تصدق انه غادرها..   

وتعيش (أم علاء) مع أولادها حاليا في مسكن صغير تبرع به لهم احد المحسنين دون مصدر رزق سوى المساعدات الانسانية وتبرعات المحسنين أما ارملة ابنها فقد استعادها اهلها لخشيتهم من الأقاويل فهم يرفضون بقاءها مع أشقاء زوجها العزاب ما أدى إلى حرمان ام علاء من رؤية احفادها وضاعف بالتالي من مرضها.. وتقول ابنتها (حنان) إن حياة النازحين اقسى من الموت فالحزن والبكاء هما رد الفعل الوحيد للموت اما النزوح فقد اجبر العوائل على ان تعيش حياة مزرية وتجرب الذل والاهانة وخسارة الاولاد والممتلكات والانتقال من اوضاع مادية مستقرة الى حالة الكفاف او الجوع والحرمان. 

ظاهرة اخرى فرضها النزوح على العوائل العراقية هي تشظي تلك العوائل وانتشارها في المحافظات الاخرى وبالتالي افتراق افراد العائلة الواحدة أحيانا عن بعضهم.

لم تر (ام عدنان) اولادها الثلاثة منذ اشهر بعد ان ادى هجوم (داعش) على منطقتهم الى تشظي عائلتها الكبيرة بسبب صعوبة الحصول على منزل كبير يضم ما يقارب الـ(25) فردا في العاصمة لذا افترق الاشقاء وانتقل ثلاثة منهم مع عوائلهم الى اربيل وبقي الاخرون معها في منزل استأجروه في منطقة (الدورة)... تقول ام عدنان ان كل ما حملوه معهم من مال ومصوغات ذهبية نفدت ولم يعد لديهم ما يسد معيشتهم لذا اضطروا الى تشغيل اولادهم الفتيان في أفران ومحلات لبيع المواد الغذائية والالبسة وصاروا يجمعون اجورهم لتسديد ايجار المنزل أما حاجتهم من المأكل والملبس والدواء فلم تعد تتناسب مع عددهم ومازالوا يعانون نقصا في كل متطلبات حياتهم ..

 

هموم  مدرسية 

تواجه ام إيهاب صعوبة كبرى في تدريس ابنتها الصغيرة (أديان ) في الصف الثالث الابتدائي لأنها امضت عاما دراسيا كاملا في ظروف عسيرة مابين الهجوم على منطقتها في اطراف محافظة صلاح الدين ثم نزوح عائلتها منها لذا نسيت الطفلة كل ماتعلمته فضلا عن شعورها بالخوف الدائم من كل شيء ..وتواجه معلمة اديان صعوبة اكبر مع الطلبة النازحين لأن مدارس بغداد والمحافظات استقبلت اعدادا كبيرة منهم وتكدسوا في الصفوف فاثروا على الطلبة وتاثروا ايضا ..

المشرفة التربوية ازهار جاسم خلف ترى ان مشكلة النازحين ادت الى تردي التعليم في العراق اذ استقبلت المدارس مايفوق استيعابها من الطلبة واختلف اسلوب التدريس بين الطلبة الاصليين والنازحين فضلا عن اختلاف طباعهم وظروفهم وهو مااثر بشكل كبير على سهولة توصيل المادة من قبل المدرسين واستيعابها من قبل الطلبة ..

وتشعر( نبأ ) بالقلق من صعوبة الحصول على المعدل الذي تنشده بعد ان وصلت الى الصف السادس العلمي بتفوق لكنها تعيش حاليا في ظروف غير ملائمة فبعد ان تركت منزلها الواسع في الموصل ونزحت الى بغداد ، تمكن اهلها بالكاد من الحصول على شقة صغيرة في عمارة متهالكة وقليل الخدمات ...ولاتملك نبأ حجرة خاصة بها كما السابق بل تعاني طوال اليوم من ضوضاء ابناء شقيقها وشحة الخدمات في شقتهم لدرجة خلوها من مدفأة نفطية وفراش للأرضية ...وتوجه نبا اضافة الى ذلك نظرة المجتمع القاصرة الى النازحين اذ تسخر بعض الطالبات من ملابسها ولهجتها وتنتقد بعض المدرسات اساليب التدريس في مدرستها ، كما يؤلمها كثيرا منحها ملابس بالية ومساعدات لاقيمة لها من قبل بعض الطالبات بعد ان كانت تعيش ظروفا مادية واجتماعية رائعة ..

وهناك مشكلة اخرى تواجهها نساء النازحين حاليا هي اتهام اولادهن بنقل امراض غريبة الى مدارس العاصمة مثل مرض (الحكة) وهو حالة من حالات (الجرب) الجلدي ومرض (السعال) الى درجة الاختناق لدى الاطفال الرضع اضافة الى (داء القمل) الذي انتشر في المدارس ورياض الأطفال والحضانات. 

الدكتورة جنان إبراهيم/ طبيبة أطفال في أحد المراكز الطبية تؤكد انتشار امراض غريبة في العاصمة بين الاطفال خصوصا اهمها (الحكة) و( السعال ) و( القمل ) وكلها امراض وظواهر معدية وتنتشر بسبب نقص النظافة او التعرض للتلوث واختلاف الظروف البيئية وهو ماتعرض له النازحون خلال انتقالهم الى العاصمة فليس من المستبعد اذن نقلهم لتلك الامراض الى سكانها ..وتعترض ابراهيم على انتقاد النازحين بسبب تلك الامراض بل يفترض بنا تقدير معاناتهم ومحاولة معالجة تلك الامراض دون تأخير لدى الاصابة بها او الوقاية منها بالنظافة والتعقيم وحماية الاطفال من التغيرات الجوية والبيئية ويكفيهم ما أصابهم من ويلات ومصائب ..

 



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2