تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


الأم صديقة أبنائها لماذا يغضب الأب؟


استطلاع: مديحة البياتي

في أية أسرة تقليدية، سواء كانت قديمة الأفكار والتقاليد أم حديثة، وسواء كانت محافظة أم متحررة، فقيرة أم غنية، هناك على الدوام شيء أقرب ما يكون إلى الصداقة يجمع بين الأم وبين الأبناء من الجنسين، تكاد تنفرد به الأم على حساب الأب، وأغرب ما في هذه الصداقة، هو أن طرفيها غير متكافئين أبداً، 


لا من حيث العمر وأسلوب التفكير، ولا من حيث الاهتمام والثقافة.

ترى ما الذي يسوغ هذه العلاقة..؟ هل تكفي الأمومة وحدها لذلك بكل ما تحمله من المعاني الاعتبارية..؟ ولماذا لم تقم علاقة مماثلة مع الأب..؟ وإذا كنا نلتمس أعذارا مقبولة لهذا النوع من الصداقات بين البنت وأمها فكيف يمكن أن نلتمسها بين الولد وأمه..؟ وأي حاجز يقف بين الولد وأبيه لكي لا يلجأ إليه وكلاهما ينتمي إلى الذكورة..؟ وثمة الكثير من الأسئلة التي تمليها الوقائع وتفرضها لغة الحقائق اليومية والاجتماعية مع أنني أتحفظ على مصطلح الصداقة، هكذا يبدأ (سرمد الزبيدي) حديثه، لأن ما يجري بين الأبناء وأمهاتهم، هو نوع من العلاقة لا يحيط به أي مفهوم أو مصطلح، ولكن لا بأس بأن نرتضي بهذه الكلمة في أوسع معانيها، وفي هذه الحالة يجب الانتباه إلى أن الأم ترتبط بصداقة مبكرة مع أبنائها ومن طرف واحد منذ اللحظة التي تشعر فيها بذلك الشيء الغريب على جسمها وهو يداعب أحشاءها.

هل هذه أشارة يراد منها التقليل من الشعور الأبوي بتلك الصداقة..؟

- نحن لا نمتلك مسطرة ولا أدوات هندسية لقياس أبعاد وحجوم المشاعر، ولا يصح أن ننكر مدى السعادة الأبوية ومدى الصداقة التي يكنها لهذا الكائن القادم من صلبه، ولكن لا يصح كذلك أن نغفل الفارق بين الأم التي تتلمس كل حركة ونأمة لصغيرها وهو ينمو في رحمها يوماً بعد يوم بكل مايرافق ذلك من معاناة ومتاعب وإحساس بالمسؤولية المباشرة للحفاظ على هذا الصديق القريب البعيد وبين الأب الذي لا يمتلك من مفردات الصداقة غير المشاعر.

هل ترى بأن تلك العلاقة تنعكس على صورة المستقبل..؟

- لا يمكن إنكار ذلك، وخاصة بالنسبة للأم، ومن هنا، أعني من هذه الصداقة (المبكرة الأحادية) يمكن أن يكون هذا الابن أو ذاك عاقاً لأمه أو يتخلى عنها، ولكن لا يمكن لأي أم أن تكون على هذه الصورة أبداً، فهي تظل متعلقة بحبه وصداقته مهما بلغت جفوته أو قسوته وقد المح الإمام علي (ع) إلى هذه المسألة بما أوتي من عبقرية علمية يوم أشار إلى أن الأبناء منا ولسنا منهم. والفرق واضح وتشاركنا الري الدكتورة هناء الآلوسي على ذلك فترى بأن أهم صور العلاقة هي تلك التي تبدأ بعد الولادة، لأنها أكثر تأثيراً وارتباطاً من المرحلة الجنينية، فالطفل هنا كيام مرئي تشترك حواس البصر والسمع والشم والنطق واللمس في توطيد العلاقة معه.

وتقول الباحثة الاجتماعية (بشرى جليل) بأن مسؤولية الأم التربوية المباشرة على الأبناء منذ لحظة الولادة تجعلها أكثر قرباً منهم وتجعلهم في أمس الحاجة إليها، ولا شك فأن الزمن الطويل من تلك العلاقة الصميمية تفرض نوعاً من الصداقة لا يتوفر للآباء.

هل هذه قاعدة؟

- لا توجد قواعد ثابتة ونهائية في القضايا الاجتماعية، فهناك من الآباء الواعين والمثقفين من يدرك أهمية الصداقة بينه وبين أبنائه، وقد يفضل الأبناء في مثل هذه الحالة صداقة آبائهم على حساب أمهاتهم خاصة بعد تجاوز مرحلة الطفولة، وتزداد تلك الصداقة متانة كلما اجتمعت لدى الأب قوة الشخصية مع الحب والقلب الرحيم والانفتاح على مشاكل أبنائه، ولكن الإطار العام فأن الصداقة الأشد ارتباطاً هي تلك التي تنشأ بين الأم والأبناء.

 

أولاد وبنات..

 واسأل الست بشرى عن الرأي الشائع حول لجوء البنت إلى أمها أكثر من الولد، وما اذا كان ذلك يعني بأن حجم العلاقة بينهما أوسع وأوطد..؟

تقول: الأبناء من كلا الجنسين على درجة واحدة من الارتباط بالأم، ولكن في المجتمعات المحافظة مثل مجتمعنا، تبدو البنت فعلاً أكثر ارتباطاً أو صداقة من الولد.

لماذا..؟

ـ لأسباب كثيرة في المقدمة منها، أن الولد منذ بلوغه سن المراهقة صعوداً، تتسع دائرة علاقته مع العالم الخارجي، وتتسع دائرة معلوماته بالضرورة، وبالتالي يصبح أقل لجوءاً إلى أمه من البنت التي تضيق دائرة علاقاتها مع العالم الخارجي كلما تقدمت في العمر وتبقى الأم الصديق الأول والأهم في حياتها.

 

لا يبدو واضحاً بما فيه الكفاية..

ـ لنضرب مثالاً بسيطاً، فحين تبلغ البنت سن البلوغ وتطرأ عليها التغيرات الجسمية والدورة الشهرية، لن تجد من تحتمي به معرفيا غير أمها، في حين لا يلجأ الولد اليها، لأن عالم صداقاته المفتوح على العالم الخارجي يزوده بهذه المعارف.. ومع ذلك فنا أعتقد بأن الأولاد والبنات يظلون على درجة واحدة من العلاقة الأمومية ألا في بعض الأمور.

كيف تدللين على ذلك..؟

ـ الا ترين أن أكثر الشباب وهو يفكر بالزواج لا يستشير والده بل والدته، ويرتب الأمور قبل أن يؤخذ راي الأب، وكثير من الأولاد لا يتحفظون في طرح مشاكلهم العاطفية على أمهاتهم.. وهي من أكثر القضايا سرية ولكنهم لا يفعلون ذلك مع آبائهم أبداً، مع أن المنطق يقضي العكس.

كيف تفسرين ذلك علمياً؟

ـ هناك نوع من العلاقة الذهنية والنفسية والعاطفية يتلقاه الأبناء منذ طفولتهم ويمتد إلى مراحل متأخرة من أعمارهم، وتكون الأم فيه محور العلاقة وركنها الرئيس بحيث لا يستطيعون التخلي عن هذا البناء أو هدمه، لأنه يمثل ذاكرة الطفولة القوية الراسخة في الأعماق، والتي تجعل الولد أو البنت يفكران في الوعي، أو يملي اللاوعي عليهما، بأن حضن الأم هو الوحيد الذي يمكن اللجوء اليه، وأن دعائها هو الوحيد الذي يخلصهم من المتاعب، وأن قلبها هو الوحيد الذي يشع لأحزانهم وسعادتهم على حد سواء.

 هل هذا تلميح من أولوية الأم..؟

ـ هو كذلك فعلاً لان التربية المعرفية للمجتمع والتربية المعرفية الدينية تعطي الأم مثل هذا الموقع أومثل هذه الأولوية.

بأي معنى..؟ 

ـ بالمعنى الذي يؤكده الدين الاسلامي الحنيف وتؤكده لغة الشعر والادب ووقائع الحياة.

*هل من إضاءة..؟

ـ الا تشاركيني الرأي بأن الواحد منا يولد في وسط تربوي يقوم على مفاهيم نبيلة تتلقاها في البيت والمدرسة والشارع ومن الاذاعة والتلفاز والصحافة، وهي تشير إلى أن الجنة تحت أقدام الأمهات وأن الامهات بطن كريم يحملنا وصدر رحيم يرضعنا وحضن دافيء يرعانا، وأنها تضحي بأعظم خصوصياتها وسعادتها من أجل سعادتنا.. أن هذه المعاني ليست خيالات ولاأوهاماً، نحن ننشأ عليها ونلمس نماذجها الحياتية لمس اليد والعين، وهكذا يبنى أويتشكل وعينا وطبيعة موروثنا الثقافي الفردي والجماعي تجاه الأم.

 

صورة أبوية..!!

هل هذا يعني تجريد الأب من معاني الصداقة والحنان..؟ هل يعني هذا وجود خطأ ما في صورته أو في الصورة التي نكونه عنه..؟

تقول المهندسة (رنا محمد أمين) بأنه من الصعب خاصة الفتاة أن تجد صديقاً ومستودعاً أميناً لأسرارها غير الأم، أما الأب فيصعب مع كل الحب الذي نحمله له أن نمد جسوراً أولغة مشتركة معه، ربما بسبب الحياء أو الخوف أوالتربية أو طبيعة المشاكل التي تعاني منها الأنثى أو لانشغاله الدائم عن الأسرة.. هناك شيء ما أنا سيدة في الاربعين وأم لثلاثة أبناء ومازلت أرى في أمي الصديق الذي يحرص على سعادتي أكثر من أي مخلوق آخر.

وتشير الدكتورة (رونق الشمري) متخصصة بالطب النفسي، إلى وجود خطأ لا يغتفر ترتكبه الأمهات جهلاً أو عن غير قصد، لأنهن يرسمن على الدوام صورة مرعبة للأب عندما يجعلن منه وسيلة لتخويف الأبناء منذ صغرهم.

كيف يتم ذلك..؟

ـ أن أي سلوك خاطئ يرتكبه الابن، كأن يرفض الاستحمام أو المذاكرة، يدفع الأم بدل من علاج الحالة بأسلوب الإغراء أو الإقناع التربوي إلى التهديد والتخويف بالأب، مثلما تخوفه بمخلوقات شريرة أو حيوانات مفترسة أو كائنات خرافية، وهكذا تنشأ صورة للأب في ذهن الطفل معادلة لمعنى العنف والشر والعقاب والقسوة.

وتشير الدكتورة رونق الشمري إلى أن كثرة كثيرة من الأمهات لا يكتفين بإيكال مهمة العقاب إلى الأب وكأن هذا هو دوره الوحيد والأساس في البيت، وإنما يرتكبن خطأ أشد خطورة في تقديري عندما يحاولن الظهور أمام أبنائهن بمظهر الملاك الرحيم على حساب الأب.. وعندما يرتكب الطفل خطأ يستحق وقفة الأسرة مجتمعة لعلاجه، وبالذات الأب، فأن الأم تبذل كل جهد مستطاع إلى تسوية الأمور وحدها ومعالجة الخطأ بخطأ أكبر وهو إخفاء الموضوع عن مسامع والده، ولا تتوزع أحياناً عن نسبة الخطأ إلى نفسها.. وتعتقد بأن تكرار تخويف الطفل بالأب يرسم صورة مبكرة للأب في ذهن الطفل وذاكرته، ترمز إلى نوع من السلطة القهرية التي تستحق الكراهية أو التي يقتضي الابتعاد عنها وتجنب بطشها في أحسن تقدير.

هذا يعني بأن هناك فجوة ستنشأ بين الأب وأبنائه..؟

- تماماً، هذا هو ما يحصل، ولذلك نجد بأن الولد مثلاً وهو في عمر الشباب يتخذ جميع قراراته المهمة بالاتفاق مع أمه وكسب رضاها وموافقتها قبل عرض القضية على الأب.. هناك حاجز بينهما لاذنب للابن فيه ولا ذنب للأب كذلك، بل هو ذنب الأسلوب التربوي القاصر لبعض الأمهات.. وترفض الدكتورة رونق أدراج سلوك مثل هؤلاء الأمهات تحت خانة (الحب والحنان) لأنه على حد تعبيرها، جهل بالدور المشترك للأبوين، وجريمة ترتكب ضد الآباء عن غير قصد، ومن المؤسف أنها من الجرائم الموروثة في التقاليد والأعراف الاجتماعية.



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2